روحي وتعالي تاني
-------------------------------
على هامش الليلة الكبيرة وما يسبقها من الليالي التمهيدية للعُرس .. كانت تنعقد حلقات الكفّ الشّعبي على ضوء القمر من بعد صلاة العشاء وحتى مطلع الفجر, وكان الإبداع الشفاهي الارتجالي حاضرا على مائدة الكفّ بقوّة تؤكد على الشاعرية الفطرية للقوّالين, وتدغدغ مشاعر الواقفين على أعتاب الزواج من شباب القرى والنجوع.
للكفّ الشعبي مصطلحاته الخاصة به مثل ( الحيطة – الخانة – الراقص) بالإضافة إلى المصطلحات المُتّفق عليها في مجال الفنون القولية الشفاهية كالتلتاوي, والجنزير, والمُرَبّع, ونعناع الجنينة, والحيطة تعني الحائط البشري الذي تتكون لبناته من الشباب الذين يقفون في مواجهة حائطٍ آخرٍ كي يتبادلوا معه القول بأبياتٍ من التراث, أو من بنات الأفكار, وأحيانا يقف الحائط منفرداً في مواجهة القوّال, ويشرع في بسط الفرش الذي يُلزم ذلك القوّال بإيجاد الغطاء المناسب لمقتضى الحال.
مثلاً :
- الحيطة : على مين راح ترمي شالك على مين.
- القوال : يا طبيب المستشفى / خبرني ميتا راح اشفى / حبيبي يا حلو الشّفّه/ وراح ترمي شالك على مين/.
وقد يستمرّ الحائط في طرح ذلك الفرش ما شاء أنْ يطرح بهدف تعجيز الفنان, أو بهدف تفجير منابع الإبداع بداخله.. ولابد للفنان من تغطية الفرش بأبيات جديدة كلما أعاد الكفّافة طرحه وإلّا اعتبرته الذائقة الشعبية فناناً مُزيّفاً .
الفرش الذي يطرحه الحائط على القوّال يُسّميه رواد هذا الفن ( خَانة ).. وهناك الكثير من الخانات المشهورة التي يتداولها الكفّافة في عموم القرى الجنوبية ومنها على سبيل المثال :
( وكلّمني بحاجب عينه .. وخشمه حالف يمين )
( تمساح نزل البحيرة .. خلّى الرايق عكار )
( خربوا جناين تونس .. أبو زيد وعربه )
( عيني اليمين واجعاني .. شمّت فايح جديد )
( ريحانك ع البوابه .. شمّيته من بعيد )
(عزيزة حبّت يونس .. ع السمعه مَرَتو )
(أمك وابوكي ماتوا .. أشكيلك على مين )
( حَبابك ياللي جيتي .. نورتي المَلَقة ).
يصاحب القوّال أثناء الحفل بعض الآلات الإيقاعية بالإضافة إلى التصفيق الذي يتناسب مع الموسيقى الخارجية للكلام.
قد يكتفي الكفّافة بالمكوِّن الذكوري للكفّ حتى تنتهي الليلة, وقد يجنح بهم الخيال إلى مشاركة الجنس الناعم لهم, فينطلقوا سالكين أقصر الطرق التي تمكّنهم من الوصول إلى تلك الغاية بالتصريح وليس بالتلميح مصوبين أبصارهم شطر صاحب العُرس قائلين:
( هات الراقص يا اخينا * وخلي قليبك تقيل ).
وكلمة الرَّاقص تعني الراقصة على سبيل الترخيم أو التدليل, وربما على سبيل الحشمة والوقار كمن يطلق على زوجته لقب ( الجماعة).
في الغالب كان يظهر الراقص في الحلبة على حين غفلة من أهلها منعاً للتهريج, وبمجرد ظهوره على الساحة ترتعش لبنات الحائط, وتتطاير العمائم, وتستطيل الأعناق, وتضرب الأقدام الأرض بقوة تتكون على إثرها سحابة من الغبار تحجب الرؤية,وتعطّل وظائف الأنوف, وفي تلك اللّحظة الاستثنائية الحالمة الخانقة يتألّق القوّال, ويملأ فضاءات النفوس بالإبداع الغزلي الصريح:
( روحي وتعالي تاني * يا ظابط ع البنات ).
ولا مانع من هجاء الراقص الممشوق القوام إنْ تقاعس عن أداء دوره المنتظر ( ياك الظابط أجازه * جبتولي البلكمين ).
تلك الراقصة التي تُغطّي كامل جسدها بالشال لم تزد عن كونها خيمة سوداء تؤدي حركات إيقاعية بسيطة جدا بالقدمين وبالذراعين, ولا تظهر على الناس منها أي إشارات توحي بدلال الأنوثة, ولا بتضاريس الجَسَد.. ورغم ذلك تثبت في سجلّ الحلبة حضورها الطاغي الذي يقلب الموازين.
أحيانا كان يلجأ صاحب الفرح إلى التدليس على الكفّافة براقصٍ من الجنس الخشن عندما يشتدّ الإلحاح عليه في طلب الراقص على غير رغبة منه, والعجيبة أنّ ذلك التدليس كان يمرُّ عليهم مرور الكرام .
ليس كل العائلات تسمح بالكفّ الشعبي على هامش أعراسها خضوعاً للتقاليد الصّارمة التي تخصّ بعض العائلات العريقة, وليست ليالي الكفّ قاصرة على العائلات الفقيرة وحدها.. فلكلٍ وجهته التي قد لا تخضع لسلطان العائلة, ولا لأعرافها المُلزمة.
برع في فنّ الكفّ الشعبي الكثير من القوّالين في جنوب صعيد مصر, وجميعم يشهد بالأستاذية للحبر الأعظم, وربّان السفينة الفنان الشامل الراحل/ رشاد عبدالعال.. كبيرهم الذي علّمهم السِّحر الحلال, والذي اخترق بفنّه الحاجز السميك بين شمال البلاد وبين الجنوب الذي مازال يعاني من التهميش والحرمان.
👉
🙏
🙏
🙏
🙏
🙏
🙏
🙏
🙏
🙏
🙏
🙏
🙏
🙏
👈
الاستاذ الشاعر / عبد الناصر ابو بكر
ادفو الكلح شرق دومرية
-------------------------------
على هامش الليلة الكبيرة وما يسبقها من الليالي التمهيدية للعُرس .. كانت تنعقد حلقات الكفّ الشّعبي على ضوء القمر من بعد صلاة العشاء وحتى مطلع الفجر, وكان الإبداع الشفاهي الارتجالي حاضرا على مائدة الكفّ بقوّة تؤكد على الشاعرية الفطرية للقوّالين, وتدغدغ مشاعر الواقفين على أعتاب الزواج من شباب القرى والنجوع.
للكفّ الشعبي مصطلحاته الخاصة به مثل ( الحيطة – الخانة – الراقص) بالإضافة إلى المصطلحات المُتّفق عليها في مجال الفنون القولية الشفاهية كالتلتاوي, والجنزير, والمُرَبّع, ونعناع الجنينة, والحيطة تعني الحائط البشري الذي تتكون لبناته من الشباب الذين يقفون في مواجهة حائطٍ آخرٍ كي يتبادلوا معه القول بأبياتٍ من التراث, أو من بنات الأفكار, وأحيانا يقف الحائط منفرداً في مواجهة القوّال, ويشرع في بسط الفرش الذي يُلزم ذلك القوّال بإيجاد الغطاء المناسب لمقتضى الحال.
مثلاً :
- الحيطة : على مين راح ترمي شالك على مين.
- القوال : يا طبيب المستشفى / خبرني ميتا راح اشفى / حبيبي يا حلو الشّفّه/ وراح ترمي شالك على مين/.
وقد يستمرّ الحائط في طرح ذلك الفرش ما شاء أنْ يطرح بهدف تعجيز الفنان, أو بهدف تفجير منابع الإبداع بداخله.. ولابد للفنان من تغطية الفرش بأبيات جديدة كلما أعاد الكفّافة طرحه وإلّا اعتبرته الذائقة الشعبية فناناً مُزيّفاً .
الفرش الذي يطرحه الحائط على القوّال يُسّميه رواد هذا الفن ( خَانة ).. وهناك الكثير من الخانات المشهورة التي يتداولها الكفّافة في عموم القرى الجنوبية ومنها على سبيل المثال :
( وكلّمني بحاجب عينه .. وخشمه حالف يمين )
( تمساح نزل البحيرة .. خلّى الرايق عكار )
( خربوا جناين تونس .. أبو زيد وعربه )
( عيني اليمين واجعاني .. شمّت فايح جديد )
( ريحانك ع البوابه .. شمّيته من بعيد )
(عزيزة حبّت يونس .. ع السمعه مَرَتو )
(أمك وابوكي ماتوا .. أشكيلك على مين )
( حَبابك ياللي جيتي .. نورتي المَلَقة ).
يصاحب القوّال أثناء الحفل بعض الآلات الإيقاعية بالإضافة إلى التصفيق الذي يتناسب مع الموسيقى الخارجية للكلام.
قد يكتفي الكفّافة بالمكوِّن الذكوري للكفّ حتى تنتهي الليلة, وقد يجنح بهم الخيال إلى مشاركة الجنس الناعم لهم, فينطلقوا سالكين أقصر الطرق التي تمكّنهم من الوصول إلى تلك الغاية بالتصريح وليس بالتلميح مصوبين أبصارهم شطر صاحب العُرس قائلين:
( هات الراقص يا اخينا * وخلي قليبك تقيل ).
وكلمة الرَّاقص تعني الراقصة على سبيل الترخيم أو التدليل, وربما على سبيل الحشمة والوقار كمن يطلق على زوجته لقب ( الجماعة).
في الغالب كان يظهر الراقص في الحلبة على حين غفلة من أهلها منعاً للتهريج, وبمجرد ظهوره على الساحة ترتعش لبنات الحائط, وتتطاير العمائم, وتستطيل الأعناق, وتضرب الأقدام الأرض بقوة تتكون على إثرها سحابة من الغبار تحجب الرؤية,وتعطّل وظائف الأنوف, وفي تلك اللّحظة الاستثنائية الحالمة الخانقة يتألّق القوّال, ويملأ فضاءات النفوس بالإبداع الغزلي الصريح:
( روحي وتعالي تاني * يا ظابط ع البنات ).
ولا مانع من هجاء الراقص الممشوق القوام إنْ تقاعس عن أداء دوره المنتظر ( ياك الظابط أجازه * جبتولي البلكمين ).
تلك الراقصة التي تُغطّي كامل جسدها بالشال لم تزد عن كونها خيمة سوداء تؤدي حركات إيقاعية بسيطة جدا بالقدمين وبالذراعين, ولا تظهر على الناس منها أي إشارات توحي بدلال الأنوثة, ولا بتضاريس الجَسَد.. ورغم ذلك تثبت في سجلّ الحلبة حضورها الطاغي الذي يقلب الموازين.
أحيانا كان يلجأ صاحب الفرح إلى التدليس على الكفّافة براقصٍ من الجنس الخشن عندما يشتدّ الإلحاح عليه في طلب الراقص على غير رغبة منه, والعجيبة أنّ ذلك التدليس كان يمرُّ عليهم مرور الكرام .
ليس كل العائلات تسمح بالكفّ الشعبي على هامش أعراسها خضوعاً للتقاليد الصّارمة التي تخصّ بعض العائلات العريقة, وليست ليالي الكفّ قاصرة على العائلات الفقيرة وحدها.. فلكلٍ وجهته التي قد لا تخضع لسلطان العائلة, ولا لأعرافها المُلزمة.
برع في فنّ الكفّ الشعبي الكثير من القوّالين في جنوب صعيد مصر, وجميعم يشهد بالأستاذية للحبر الأعظم, وربّان السفينة الفنان الشامل الراحل/ رشاد عبدالعال.. كبيرهم الذي علّمهم السِّحر الحلال, والذي اخترق بفنّه الحاجز السميك بين شمال البلاد وبين الجنوب الذي مازال يعاني من التهميش والحرمان.
الاستاذ الشاعر / عبد الناصر ابو بكر
ادفو الكلح شرق دومرية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق